القاضي التنوخي

364

الفرج بعد الشدة

خزائن الأرض لي ، لكانت قد نفدت ، يا هذا ، مالك عندي تصرّف ، ولا عمل شاغر « 4 » فأردّه إليك ، ولا في مالي فضل فأبرك ، فدبّر أمرك بحسب ذلك ، هذا والرجل ساكت . فلمّا سكن ابن أبي البغل ، قام الرّجل ، وقال : أحسن اللّه جزاءك [ 141 ظ ] وفعل بك وصنع ، وأسرف في الشكر والدّعاء له ، وولّى منصرفا . فقال ابن أبي البغل : ردّوه ، فرجع . فقال له : يا هذا ، هو ذا تسخر منّي ، على أيّ شيء تشكرني ؟ على إياسي لك من التصرّف ، أو على قطع رجائك من الصّلة ، أو قبيح ردّي لك ، أو ضجري عليك ؟ أم تريد خدعتي بهذا الفعل ؟ . فقال : واللّه ، ما أريد خداعك ، وما كان منك من قبيح الردّ فغير منكر ، لأنّك سلطان ، ولحقك ضجر ، ولعلّ الأمر كما ذكرته من كثرة الواردين عليك ، وقد بعلت « 5 » بهم ، واتّفق لقوّة نحسي ، أن كان هذا الرد القبيح وقع في بابي ، ولم أشكرك إلّا في موضع الشكر ، لأنّك صدقتني عمّا في نفسك من أوّل وهلة ، وأعتقت عنقي من رقّ الطمع ، وأرحتني من التعب بالغدوّ والرواح إليك ، وخدمة قوم أستشفع بهم إليك ، وكشفت لي ما أدبّر به نفسي ، وكسوتي جديدة ، وبقيّة نفقتي معي ، ولعلّي أتحمّل بها إلى بلد آخر ، في وجه أحد سواك . قال : فأطرق ابن أبي البغل ، ومضى الرّجل ، فرفع رأسه ، فاستدعاه ، واعتذر اليه ، وأمر له بصلة ، وقال له : خذ هذه ، إلى أن أقلّدك ما يصلح لك ، فإنّي أرى فيك مصطنعا . فلمّا كان بعد أيّام قلّده عملا جليلا ، وصلحت حال الرّجل معه « 6 » .

--> ( 4 ) العمل الشاغر : الخالي ممن يقوم به ، والأرض الشاغرة : الخالية ممّن يضبطها ويحميها . ( 5 ) بعل : تحيّر ، فلم يدر ما يصنع . ( 6 ) وردت القصّة في كتاب نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة للقاضي التنوخي برقم 2 / 78 ، ولم ترد في م ولا في غ .